علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

8

الصداقة والصديق

قالوا : أعجله الأمير ! أفتراه يقرأ عليه شعرا أو نحوا أو يسمع من الحديث ! ( يقولون ذلك تهكما ببجكم الأعجمي ) فقال بجكم : لقد ذهب عليهم أمري ، أنا إنسان وإن كنت لا أحسن العلوم والأدب أحبّ أن لا يكون في الأرض أديب ، ولا عالم ، ولا رأس في صناعة إلّا كان في جنبتي وتحت اصطناعي ، وبين يدي لا يفارقني ! » إن بجكم التركي هذا لسان حال أمراء الأقطار في ذلك الزمان ، وهكذا أصبحت لكل إقليم شخصيته المميّزة من غيره في العلم والأدب بعد أن كانت بغداد العاصمة المركز الإشعاعي الوحيد تستأثر بكل شيء وتستقطب فعاليات الناس كافة . كانت الحياة الاجتماعية متأثرة إلى حدّ بعيد بالأوضاع السياسية ، وكان فقدان الأمن والاستقرار وغلبة التسلّط والعسف سبيلا إلى إيجاد الفوارق الطبقية بين الناس ، وإلى فشو الترف والبذخ في الطبقات الموسرة على حساب الطبقات الفقيرة حتى صدق في ذلك قول علي بن أبي طالب : « ما رأيت إسرافا قطّ إلّا وإلى جانبه حقّ مضيّع » ، لقد ضاعت حقوق الشعب من جراء الإسراف وإمعان الخلفاء والأمراء ومن يحيط بهم في التأنق في المأكل والمشرب والملبس وبقية اللذائذ حتى بلغت الحال بالوزير ابن الفرات إلى أن « يأكل بملاعق البلّور ، وما كان يأكل بالملعقة إلّا لقمة واحدة ، فكان يوضع له على المائدة أكثر من ثلاثين ملعقة » ، وكان الوزير المهلّبي كثير الولع بالورد روى شاهد فقال : « شاهدت أبا محمد المهلبي قد ابتيع له في ثلاثة أيام ورد بألف دينار فرش به مجالسه وطرحه في بركة عظيمة ، كانت في داره ولها فوارات عجيبة يطرح الورد في مائها فتنفضه على المجلس فيقع على رؤوس الجالسين ، وبعد شربه عليه وبلوغه ما أراد أنهبه ! » وكان الوزير للهلبي هذا « غاية في الأدب والمحبة لأهله » معروفا بعطفه على « أهل الأدب والعلوم ، فأحيا ما كان درس ومات من